الشيخ محمد رشيد رضا
42
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
* * * ( فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ ) هذا وصف لحال المستعد لهداية الاسلام بسلامة فطرته وطهارة نفسه من الخلقين الصادين عن إجابة دعوة الحق وهما الكبرياء والحسد ، وبتحليها - أي نفسه - بالهاديين إلى الحق والرشاد . وهما استقلال الفكر الصاد عن تقليد الآباء والأجداد ، وقوة الإرادة الصارفة عن اتباع الرؤساء أو مجاراة الأنداد ، فمن كان كذلك كان أهلا بإرادة اللّه تعالى وتقديره لقبول دعوة الاسلام الذي هو دين الفطرة ومهذبها ، فإذا ألقيت اليه وجد لها في صدره انشراحا واتساعا بما يشعر به قلبه من السرور وداعية القبول ، وذلك أنه لا يجد مانعا من النظر الصحيح فيما ألقي اليه فيتأمله فتظهر له آيته ، وتتضح له دلالته فتتوجه اليه ارادته ، ويذعن له قلبه فتتبعه جوارحه ، وهذا هو النور الذي يفيض عليه من الآن أو الذي يسير فيه باتباعه له ، فهذه الآية مقابلة لآية المثل الذي ضربه اللّه تعالى في هذا السياق للمؤمنين والكافرين ، وما العهد بها ببعيد ، وفي معناها قوله تعالى ( 39 : 22 أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) ( وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ ) أابن كثير ضيقا بتخفيف الياء والباقون بتشديدها فهو كميت وميت وهين وهين ولين ولين . وأ نافع وأبو بكر عن عاصم « حرجا » بكسر الراء على الصفة المشبهة والباقون بفتحها على الوصف بالمصدر ، فهو كدنف ودنف . وأابن كثير ( يصعد ) بسكون الصاد مضارع صعد الثلاثي ( كفرح يفرح ) وأبو بكر عن عاصم يصاعد بالألف وتشديد الصاد وأصله يتصاعد أي يحاول الصعود المرة بعد المرة ، والباقون ( يصعد ) بتشديد الصاد والعين وأصله يتصعد أي يتكلف الصعود ويحاول منه ما لا يستطيع وهذا وصف للكافر غير المستعد لقبول الاسلام بما أفسد من فطرته بالشرك وأعماله وبما تدنست به نفسه من رذيلتي الكبر والحسد اللذين يصرفان المدنس بهما عن التأمل فيما يدعى اليه والحرص على استبانة الحق والباطل فيه ، ويشغلانه بما يكون من شأنه مع الداعي له إلى الشيء ، فيعز على المستكبر والحاسد أن يكون تابعا لغيره ، وهو يرى نفسه أجدر بالإمامة منها بالقدوة ، أو بما سلبه استقلال الفكر وصحة النظر